محمد سالم محيسن

148

معجم حفاظ القرآن عبر التاريخ

للعلم منذ حداثته إلى أن توفّاه اللّه تعالى . فقد وهب نفسه للعلم ، وأعطى العلم أعظم نصيب من وقته ومن جهده . كانت عزيمته الماضية تتأبى على الفتور والكلال ، فتسلح بالصبر ، والنشاط . بهذه العزيمة طوّف في كثير من الأقطار ، فسمع من كبار العلماء بطبرستان ، والعراق ، والشام ، ومصر . وبهذه العزيمة قرأ كثيرا ، وحفظ كثيرا ، وألف كثيرا ، وكان يستهين بالجهد المضني ، ويستسهل الصعب المجهد . وبهذه العزيمة كان يقرأ وهو شديد المرض ، فقد ذكر تلميذه « ابن كامل » أنه زاره قبل المغرب وهو شديد العلة ، فرأى تحت مصلّاه « فردوس الحكمة » لعلي بن زين الطبري « 1 » . وكانت عزيمته القويّة ، تنشّطه إلى القراءة وهو في الخامسة والثمانين من عمره ، ولم يكن يقنع بالقراءة في ذلك الوقت ، بل كان يتدبّر ما يقرأ ، ويتمعن فيه ، ويخطّ بقلمه في كثير من المواضع « 2 » . وكانت ثمرات هذه العزيمة أنه خلّف ثروة عظيمة من المؤلفات في كثير من العلوم المختلفة ، وهذا ما سيتضح جليا بإذن اللّه تعالى أثناء الحديث عن مؤلفاته . ومن صفات « أبي جعفر الطبري » ظرفه : كان « أبو جعفر الطبري » مع كثرة اشتغاله بالعلم إلا أنه لم يصرفه ذلك عن الدعابة ، ووجاهة السمت ، وأناقة المظهر ، والتنعم بما أحله اللّه تعالى ، فقد كان ظريفا في ظاهره ، نظيفا في باطنه ، حسن العشرة لمجالسيه ، مهذبا في جميع أحواله . ومن صفات « الطبري » تعدد ثقافته : وحقا أن منهوم العلم لا يشبع ، كما أن منهوم المال لا يقنع ، وأنى لمنهوم العلم أن يشبع ، وهو يجد في كل لون من

--> ( 1 ) انظر معجم الأدباء ج 18 ص 48 . ( 2 ) انظر معجم الأدباء ج 18 ص 81 .